لم يجل
بذاكرتي خلال هذه الأيام أيام طقوس
الاحتفال بالذكرى الخامسة للثورة
(2011/2016) إلا ذلك الفيلم
الملحمي الشهير الذي يعد من أكثر الأعمال التي لا تنسي في تاريخ
السينما" سبارتكوس " ... الذي قاد انتفاضة العبيد ضد الإمبراطورية
الرومانية بقوتها المستبدة في ذلك الوقت و الذي ظل بطله الحقيقي خالدا في الذاكرة. سبارتكوس
أو مقاتل الحرية الأسطوري ألهم العبيد في ثورة طبقت شهرتها الآفاق وظل صداها حتي
يومنا هذا وشعلتها لن تنطفئ أبدا. سبارتكوس هو روح الحرية النابضة لأنه رفض الخضوع
وحرر من كانوا مكبلين مثله. غير انه فشل كقائد و لم تكن لديه خطة مكملة للثورة
التي بدأها و لم يكن يعرف ماذا سيفعل.. فكل الذي فعله أنه حرر العبيد من دون أن
يوجههم إلي صنع التاريخ، وانه - أي سبارتكوس - لم يكن يمتلك مؤهلات القيادة وخطته
كانت قصيرة الأمد.
عدت أدراجي أفتش في
تاريخ الثورات فاكتويت بنار الثورة
الروسية التي قامت عام 1917 ضد القيصر نيكولاس الثاني هذه الثورة تبعتها الثورة
البلشفية التي طبقت النظام الاشتراكي وأعدمت القيصر نيكولاس وعائلته ثم كان من نتائج الثورة البلشفية قيام
حرب أهلية دامت سنوات ...و نقبت في دفاتر الاهتزازات المصرية
و تحديدا سنة 1952 حيث قبل هذا التاريخ كانت مصر تعيش في ظل الحكم الملكي
حيث كانت الأحزاب السياسية المصرية تعيش أزهى عصورها والصحافة المصرية تنعم بحرية
قل مثيلها وكان الجنيه المصري أعلى من الجنيه الاسترليني ناهيك عن الدولار.
ثم قامت الثورة وهي الثورة المعروفة بثورة يوليو وأخذ
الجميع في شيطنة الملك فاروق وتشويه صورته واتهموه بأبشع أنواع التهم ووصموه بكافة
الموبقات . وصبّوا عليه شتى أنواع اللعنات وانساق الشعب المصري وراء شعارات الثوار
وصراخهم وصيحاتهم وتحول الى عازف أناشيد للثورة والثوار . لتتم الاطاحة بالملك
فاروق و لكن هيهات فقد تحولت الامة المصرية كعصف مأكول و
انحدر الجنيه المصري إلي الهاوية و الضريبة طالت ماديا و معنويا و حتى وقتيا ... في ذات السياق كان
السودان قويا وموحدا واقتصاده صلبا حتى عام 1985 حين قامت انتفاضة شعبية انتهت
بلجوء الرئيس السوداني جعفر نميري إلى مصر
.فماذا حدث للسودان بعد تلك الانتفاضة الشعبية السودانية ؟ لقد ضاع السودان وضل
الطريق وأصبح المواطن السوداني يبحث عن عمل في كل دول العالم بأرخص الأجور و يترحم
على النّميري و أيامه ...
واصلت البحث عن أكثر الأمثلة وضوحا وأقربها زمنا فلم نجد
أفضل من الثورة البرتقالية.وما أدراك ما الثورة البرتقالية. حيث تبين لي
مشهد خروج الشعب الأوكراني في عام2004 عن بكرة أبيه داعما بقوة المعارضة
ومؤيدا لفيكتور يوشينكو الذي كان يعدهم
ويمنيهم بالازدهار الاقتصادي والنظام الديمقراطي والانفتاح على الغرب فتحول في نظر
الشعب الأوكراني الى بطل قومي يجب مناصرته بشتى الطرق فثار الشعب الأوكراني ضد
الرئيس يانكوفيتش وملأ شوارع كييف العاصمة وبقية المدن الاوكرانية متحدين
يانكوفيتش وظلوا صامدين ثائرين في ظل تأييد عالمي حتى تم لهم ما أرادوا واسقطوا الرئيس يانكوفيتش (الخائن العميل للروس !!) وبعد تولي يوشينكو
الرئاسة تبخرت أمنيات الشعب الاوكراني وأحلام الثورة البرتقالية وذهبت وعود يو
شينكو أدراج الرياح وفي سنة 2010 خرج نفس
الشعب وانتخب الرئيس السابق يانكوفيتش وأسقط البطل الورقي يوشينكو في انقلاب شعبي
واضح على الثورة البرتقالية.
كانت الصور التاريخية للثورات قاتمة بائسة عاكسة لواقع الثورة التونسية وهي
في عمر ال5سنوات ...صور استحضرتها و استحضرت معها حيرة و تساؤلا
و استفهاما حول مسار الثورات و صيروتها
فبقدر ما توحد التونسيون حول ثورة الياسمين انقسموا بعدها.. وبقدر ما جمعتهم أهدافها فرطوا
فيها.. وبقدر ما نجحت الثورة في اقتلاع نظام كان ينبغي ان يرحل منذ سنوات فشلت في
تقديم البديل المناسب حتى سطا الإخوان عليها.. ولهذا مازال الجدل والحوار حول هذا
اليوم التاريخي هل كانت ثورة أم انتفاضة أم مؤامرة كما يدعي البعض..
اذ لم يعد خافياً على أحد أن الخطاب، الأكثر ذيوعاً
عن الثورة في تونس بدأ يضعف
وينهار و لا يتردد في ستر مأزقه بإعلان فشل الثورة ، و التفجع بحدة على المفقود من الأوطان والمجتمعات و الافراد .
و بدا التحسر يتضاعف و كاد يصبح توبة إلى
نظام النوفمبري المخلوع . بل انحسر
بالكامل عند شق كبير من التونسيين وعاد
الحنين إلى الحضن السلطوي، الذي انفصل عنه
بعد أن تجلى له الواقع الجديد، الذي أنتجته الثورة، بأنه ناقص،
نظراً إلى أنه لا يناسب صورتها الحاضرة مسبقاً في خطابها الثوري ...
شهادات
و عبارات تردد في كل يوم
تزداد انتشارا مفادها ان الثورة
التونسية كانت ثورة مستبدة لأنها عمياء
افتكتها رموز إعلامية وسياسية بلا قلب و بلا ضمير وطني ، رغم
كون محركات الثورة في جانفي جاءت من خلال الحالة المترديَّة التي وصلت
إليها تونس على كافة الأصعدة ، اقتصاد منحدر ، عدالة اجتماعية غائبة ، مستوى
تعليمي في الحضيض ، خدمات صحية لا ترقى لوقاية وعلاج الحيوانات فضلاً عن الإنسان ،
انهيار في البنيَّة التحية لمياه الشرب والصرف وخلافه ، وفساد مُستشر لا يخدم إلا
البقاء الآمن لصاحب السلطة في أي موقع ، ما أدى إلى توسيع الفجوة بين الكارثة
وفترة الإصلاح التي تستلزمها .
و
أما اليوم فالكل بات يندب على ثورة
لم يجن منها شيئا ثورة
أنجزها الشباب فتربع على عرشها الشياب و ثورة جاءت
لمكافحة البطالة و المحسوبية فارتفعت البطالة و ارتفع منسوب المحسوبية و
المحاباة ... ثورة رفعت الشغل شعارا و لكن هيهات فلا شغل و لا تشغيل.. و ثورة حلمت
بغد يسر المتفائلين فكان
الغدأسود رفعت فيه الرايات السوداء ... ثورة شعبية لم تتبعها ثورة
اجتماعية و لا سياسية و لا ثقافية لا توزيع عادل للثروات... و ظلت كرة ثلج تتدحرج
نحو الأسفل و كأننا بالثورة تأكل أبناءها و كأننا بالسحر ينقلب على الساحر...
رغم
بوادر الانفراج التي تلاطمني أمواجها بين فينة أخرى ظل السؤال يجول بمخليتي يبحث عن إجابة و يفيد هل تنجح الثورة التونسية
حيث فشلت بقية الثورات ؟؟؟... تركت السؤال للتاريخ و أغمضت عيني على حاضر البلاد و استسلمت إلى موسيقى
ناعمة و صوت شجي للسيدة كوكب الشرق علّها تكون بلسما لجراحي و تنسيني واقعا
أعياني... غير إني انتفضت من جديد حين انطلقت أم كلثوم تردّد أغنية ثورة الشك .





Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire